حقيبة الرماد: مقايضة الشيطان في زقاق المهجورين

كان “منصور” رجلاً أطفأ الفقر بريق عينيه، يعيش في غرفة متهالكة على أطراف المدينة، يقتات على ما تجود به مهنة جمع الخردة. في ليلة عاصفة لم تشهد المدينة مثلها، وبينما كان يبحث بين الحطام، وجد حقيبة جلدية سوداء، ناعمة الملمس بشكل غير طبيعي، وكأنها مصنوعة من جلد بشري لم تمسه الشمس. لم تكن الحقيبة مغلقة بقفل، بل كانت تنبض بهدوء، كأن بداخلها قلباً صغيراً.

عندما فتحها في منزله، لم يجد ذهباً ولا مالاً، بل وجد أوراقاً نقدية بيضاء تماماً، وساعة رملية يسير رملها إلى الأعلى. في تلك اللحظة، ظهر له ظلٌ طويل لا جسد له، وهمس بصوت يشبه احتكاك السكاكين: “كل ورقة بيضاء تكتب عليها اسماً، ستمتلئ بخزائن الأرض من المال، لكن في المقابل، سيسقط من الساعة الرملية يومٌ من عمر صاحب الاسم.. وليست أسماء أعدائك هي المطلوبة، بل من تحب.”

تحول منصور من فقير معدم إلى أغنى رجل في المدينة خلال أسابيع. بنى القصور واشترى الولاءات، لكن الحقيبة كانت تجوع باستمرار. في البداية، ضحى بأسماء أقاربه الذين لم يروه لسنوات، ثم جيرانه، حتى فرغت المدينة من حوله. الرعب الحقيقي لم يكن في اختفاء الناس، بل في الحقيبة نفسها؛ فكلما زاد ثراؤه، بدأت ملامحه تتلاشى في المرآة، وبدأ جلده يتحول إلى ملمس الحقيبة السوداء.

في الليلة الأخيرة، عندما لم يبقَ اسم يكتبه، وجد الورقة الأخيرة في الحقيبة وقد كُتب عليها اسمه هو. أدرك منصور أن الشيطان لم يكن يريد شراء روحه فحسب، بل كان يستخدمه “كحاصد للأرواح” مقابل ورق لا قيمة له. عندما قلب الساعة الرملية للمرة الأخيرة، تحول قصره إلى رماد، ووجد نفسه داخل الحقيبة، مجرد ورقة بيضاء تنتظر من يجدها في الليلة العاصفة القادمة.

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
Scroll to Top